هذا الموقع يحتوي على مقالات مترجمة آلياً بواسطة ذكاء اصطناعي، وقد يتضمن بعض الأخطاء غير المقصودة. يُنصح بالتحقق من المعلومات المهمة.

أخبار

حوار| يوسف المساتي، باحث في التاريخ: “شعبة التاريخ ليست ملجأ لمن لا ملجأ له”

عبد الحميد بوتكى – الجمعة 16 يناير 2026

يعتبر التاريخ علماً إنسانياً يدرس أحداث الماضي الإنساني دراسةً نقديةً وتحليلية، اعتمادًا على المصادر والوثائق، بهدف فهم تطور المجتمعات وتفسير التحولات التي عرفها الإنسان عبر الزمن. ولمعرفة إلى أين وصلت شعبة التاريخ في الجامعة المغربية، نحاور السيد يوسف المساتي الباحث في سلك الدكتوراه في التاريخ والآثار والتراث بجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء حول الموضوع.

  • كيف تقيمون الوضع الحالي لشعبة التاريخ والتراث في الجامعة المغربية بشكل عام؟

نمر اليوم بمرحلة انتقالية حاسمة، فشعبة التاريخ والتراث لم تعد تلك الشعبة الكلاسيكية التي تكتفي بسرد الاحداث الماضية، بل أضحت مختبرا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وتبذل شعب التاريخ مجهودا كبيرا للانتقال من “تاريخ المعارك والدول” الى “تاريخ المجتمعات والتمثلات والتراث”، كما ان جزءا من الجامعة المغربية اليوم يحاول جاهدا رد الاعتبار لهذا التخصص عبر ربطه بالتنمية المستدامة، لكننا لا نزال في بداية الطريق نحو مأسسة “تاريخانية” وظيفية تخدم المجتمع بشكل مباشر.

  • ما ابرز التحديات التي تواجه الشعبة اليوم؟

التحدي الاول هو الرقمي، فكيف يمكن تحويل المادة التاريخية الجامدة الى محتوى رقمي تفاعلي؟ التحدي الثاني يتعلق بلغات التكوين، حيث ان الانفتاح على المصادر الاجنبية والبحث العلمي الدولي يتطلب اتقان اللغات، اما التحدي الثالث فهو المواءمة مع سوق الشغل، اي الانتقال من تكوين موجه للتدريس فقط الى تكوين يخرج اطر متخصصة في تدبير التراث، السياحة الثقافية، والارشفة الرقمية.

  • هل ما زالت النظرة الدونية لشعب الاداب قائمة في نظركم؟ ولماذا؟

للاسف، لا تزال هناك رواسب لهذه النظرة النمطية التي تعتبر الآداب والعلوم الإنسانية عموما “ملجأ لمن لا ملجأ له”، والسبب يعود الى ثقافة مجتمعية تربط النجاح بالطب والهندسة فقط، والى تأخر في ابراز القيمة الاقتصادية للعلوم الإنسانية، لكن هذه النظرة بدأت تتآكل تدريجيا مع صعود “اقتصاد المعرفة”، حيث اصبح العالم يدرك ان التكنولوجيا بلا فهم للتاريخ والهوية تظل جوفاء.

  • كيف تطور عدد الطلبة المسجلين في الشعبة خلال السنوات الاخيرة؟

الاعداد في استقرار مائل للارتفاع الطفيف، لكن النوعية هي التي تغيرت، في السابق كان الاكتظاظ هو العنوان البارز، اما الان ومع تنويع العرض التربوي في كليات اخرى، أصبحت شعبة التاريخ تستقطب طلبة لديهم شغف حقيقي، او موظفين يرغبون في تعميق معارفهم التاريخية، مما يضفي نوعا من الجدية على المدرجات.

  • ما الاسباب الرئيسية لعزوف او اقبال الطلبة على شعبة التاريخ؟

الاقبال يغذيه البحث عن الهوية والرغبة في فهم التحولات السياسية والاجتماعية، اما العزوف فسببه الرئيسي هو “الخوف من البطالة”، لأن الطالب المغربي اليوم اصبح برغماتيا، يبحث عن الشعبة التي تضمن له “الاجرة” فور التخرج، والتاريخ في تمثله الشعبي لا يزال مرتبطا فقط بمباراة التعليم التي تضيق فرصها سنة بعد اخرى.

  • هل يؤثر هاجس التشغيل بشكل مباشر على اختيارات الطلبة؟

نعم وبشكل مباشر، حيث نلاحظ ان العديد من الطلبة المتفوقين قد يختارون شعبا تقنية رغم حبهم للتاريخ خوفا من المستقبل الغامض، ولهذا فالجامعة اليوم مطالبة بطمأنة هؤلاء عبر مسالك “مهنية” واضحة داخل شعبة التاريخ، تجعل من المؤرخ فاعلا اقتصاديا في قطاعات الثقافة والسياحة والاعلام.

  • هل تلاحظون فرقا في دوافع الطلبة بين الامس واليوم؟

طبعا، طالب الامس كان غالبا مسكونا بالهاجس الايديولوجي والسياسي، وكان التاريخ بالنسبة له اداة للصراع الفكري، اما طالب اليوم اكثر واقعية، يبحث عن المهارات، ويهمه كيف يكتب مقالا، كيف يوثق شريطا، وكيف يستثمر التاريخ في مشروع ثقافي خاص، وبالتالي فالدوافع انتقلت من “النضالي” الى “الوظيفي والمعرفي”.

  • ماذا تقدم شعبة التاريخ فعليا للطلبة من حيث التكوين؟

أعتقد انها تقدم بناء فكريا متكاملا، لا تعلمهم “ماذا حدث” بل “لماذا حدث وكيف نؤرخه”، والتكوين التاريخي في عمقه يرتكز على نقد النصوص خارجيا وداخليا، والمقارنة بين المصادر، وفهم البنيات العميقة للمجتمع المغربي عبر العصور؛ إضافة إلى التركيز على الجانب التراثي، اي كيف يتحول التاريخ من نص مكتوب الى مادة ملموسة (آثار، عمران، فنون).

  • ما المهارات التي يكتسبها الطالب بعد التخرج؟

الطالب يكتسب “الذكاء السياقي”، وهو القدرة على وضع اي ظاهرة في اطارها الزماني والمكاني، بالاضافة الى مهارات التحليل النقدي، التحرير الرصين، القدرة على التلخيص والتركيب، والتعامل مع الوثائق والمخطوطات، وهي مهارات مطلوبة جدا في مجالات الادارة، التواصل، وصناعة القرار، طبعا عدا ما يتعلق بالمعرفة التاريخية والتراثية.

  • كيف تواكب الشعبة التحولات المنهجية والرقمية؟

بدأنا اليوم في المغرب نتحدث عما يسمى “الانسانيات الرقمية”، وهناك توجه نحو تدريب الطلبة على استعمال نظم المعلومات الجغرافية (SIG) في رسم الخرائط التاريخية، والتعامل مع قواعد البيانات الرقمية، كما أن المنهجية التاريخية نفسها تطورت لتنفتح على الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع واللسانيات.

  • هل يتم تحديث البرامج الدراسية بانتظام؟

نعم ولا، أعتقد أنه رغم توالي الإصلاحات الجامعية لازلنا لم نصل لوصفة قارة لمناهج شعبة التاريخ يمكن ان تواكب التحولات الحالية، وذلك يرتبط بمستويات اعلى ترتبط بسؤال: ماذا نريد من التاريخ؟ وإن كان يجب الاعتراف انه يتم ادراج محاور جديدة لم تكن من قبل مثل “تاريخ الزمن الراهن”، “تاريخ البيئة”، و”تاريخ الهامش”، مع تعزيز وحدات اللغات والمهارات الحياتية (Soft Skills).

  • ما مكانة التراث ضمن التكوين التاريخي؟

التراث أصبح اليوم العمود الفقري للشعبة، إذ لم يعد مجرد ملحق، بل هو الشق التطبيقي للتاريخ، حيث يدرس التراث المادي وغير المادي كرافعة للتنمية الجهوية.

  • ما ابرز المهن التي يمكن ان يمارسها خريج شعبة التاريخ؟

بالاضافة الى التعليم (العمومي والخصوصي)، هناك مهن امناء الارشيف، محافظي المتاحف، مرشدي السياحة الثقافية، التنشيط الثقافي في الجماعات الترابية، الصحافة المتخصصة، العمل في دور النشر، والبحث في مراكز الدراسات الاستراتيجية. كما يمكن للخريج العمل في المهن العسكرية والامنية التي تتطلب دراية بالانظمة والتاريخ الوطني.

  • هل ترون ان الشعبة تعاني من ضعف في الادماج المهني؟

هناك صعوبات، لكنها ليست مرتبطة بالشعبة ذاتها بقدر ما هي مرتبطة ببنية سوق الشغل المغربي الذي لم يستوعب بعد اهمية “بروفايل” المؤرخ، الخلل يكمن في غياب جسور قوية بين الجامعة والمقاولات الثقافية والجهات الرسمية المعنية بالتراث.

  • ما دور الجامعة في مواكبة الطلبة بعد التخرج؟

الجامعة تحاول عبر “مراكز المسار المهني” توجيه الطلبة، لكن الدور الاهم هو خلق شبكة “الخريجين القدامى” لتسهيل الاندماج، وضرورة تنظيم لقاءات مع مهنيين لنقل تجاربهم للطلبة وتحفيزهم على المبادرة الحرة.

  • كيف يمكن للطالب ان يصنع مساره المهني بنفسه؟

عبر “التعلم الذاتي” الموازي للدراسة، انصح الطلبة باتقان لغتين اجنبيتين على الاقل، واكتساب مهارات في التصميم الجرافيكي او المونتاج او تدبير المشاريع الثقافية، إضافة إلى مهارات الذكاء الصناعي، فالطالب الذي يجمع بين “عمق التاريخ” و”ادوات العصر” هو الذي يفرض نفسه في سوق الشغل.

  • ما الصعوبات التي تواجه الباحثين الشباب؟

ابرزها صعوبة الولوج الى الارشيفات، خاصة تلك الموجودة في الخارج، ونقص المنح الدراسية، وصعوبة النشر في مجلات دولية محكمة بسبب عائق اللغة او التمويل، كما ان البحث الميداني في المواقع الاثرية يتطلب ميزانيات تفوق طاقة الطالب، إضافة إلى العوائق الإدارية

  • كيف ترون مستقبل الدراسات التاريخية في المغرب؟

المستقبل واعد بشرط واحد: “التحين”، التاريخ هو المادة الوحيدة التي لا تموت، لان المجتمعات في الازمات تعود دوما الى جذورها، اتوقع ان يلعب المؤرخ دورا محوريا في قضايا الهوية، الدبلوماسية الموازية (تاريخ الصحراء المغربية نموذجا)، والصناعات الثقافية.

هل يمكن للتاريخ ان يواكب متطلبات العصر الرقمي؟

بكل تأكيد، نحن نرى اليوم نجاح القنوات التاريخية على يوتيوب، والبودكاست التاريخي، والالعاب الالكترونية المبنية على احداث تاريخية، التاريخ هو “محتوى”، والعصر الرقمي جائع للمحتوى الرصين. والمؤرخ الذكي هو من سيوظف ادوات الذكاء الاصطناعي لترميم المخطوطات او محاكاة المعارك التاريخية افتراضيا.

  • ما رسالتكم للطلبة المترددين في اختيار شعبة التاريخ؟

التاريخ ليس شعبة للمجترين، بل هو شعبة للاقوياء فكريا. اذا كنت تمتلك فضولا معرفيا وترغب في فهم خيوط اللعبة في هذا العالم، فالتاريخ هو مفتاحك، لا تخف من سوق الشغل، بل اصنع تميزك الخاص، فالعالم اليوم يبحث عن “الحكماء” ومن يملكون الرؤية الطويلة الامد.

  • ماذا يحتاج التاريخ ليستعيد مكانته داخل الجامعة والمجتمع؟

يحتاج الى “تصالح” مع الاقتصاد ومع التكنولوجيا ومع المجتمع ومع السياسي، وفهم أنه لا يمكن بناء مشروع مجتمعي حقيقي دون تاريخ، كما نحتاج الى دعم البحث العلمي الميداني، والى تبسيط المعرفة التاريخية لعامة الناس عبر الوسائط الحديثة، والاهم من ذلك، نحتاج الى ارادة سياسية تضع “الرأسمال اللامادي” (الذي يشكل التاريخ جوهره) في قلب النموذج التنموي الجديد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى