هل تؤثر إجراءات مكافحة الغش على تركيز الطلبة أثناء الامتحانات؟

عبد الحميد بوتكى – الجمعة 5 يونيو 2026
مع اقتراب كل موسم امتحانات، تتخذ المؤسسات التعليمية والجامعات المغربية سلسلة من الإجراءات الرامية إلى محاربة الغش وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين. وبينما أصبحت هذه التدابير جزءاً مألوفاً من المشهد الامتحاني، يطرح بعض الطلبة والمهتمين بالشأن التربوي تساؤلات حول تأثيرها على أجواء الامتحان ومدى انعكاسها على التركيز والأداء داخل القاعة.
وسائل مكافحة الغش.. من المراقبة التقليدية إلى التقنيات الحديثة
شهدت وسائل مكافحة الغش خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، تزامناً مع تطور الوسائل التكنولوجية التي قد تُستعمل في التحايل أثناء الامتحانات. فإلى جانب المراقبين داخل القاعات، أصبحت بعض المؤسسات تعتمد كاميرات المراقبة وأجهزة التشويش والتفتيش الدقيق عند المداخل، فضلاً عن إجراءات تنظيمية أكثر صرامة تهدف إلى الحد من أي محاولة للإخلال بنزاهة الامتحانات.
ويؤكد مسؤولون تربويون أن هذه التدابير أصبحت ضرورية في ظل انتشار الهواتف الذكية والساعات الإلكترونية والأدوات الرقمية القادرة على تسهيل الغش بطرق يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية. كما أن الحفاظ على مصداقية الشهادات وضمان المساواة بين جميع المترشحين يفرضان تطوير آليات المراقبة باستمرار لمواكبة تطور أساليب الغش.
غير أن تشديد المراقبة يثير في المقابل نقاشاً متزايداً حول تأثير المناخ الامتحاني على الجانب النفسي للطلبة، خاصة عندما تتحول قاعة الامتحان إلى فضاء تسوده حالة من الترقب واليقظة المستمرة.
عندما يتحول جزء من الانتباه إلى مراقبة المراقبة
في علم النفس التربوي، يُعد قلق الامتحان من أكثر الظواهر المرتبطة بالتقييم الأكاديمي. ويشير الباحثون إلى أن الشعور بالضغط أثناء الاختبارات أمر طبيعي، إلا أن بعض الظروف المحيطة قد تزيد من حدته وتؤثر على الأداء الذهني للطالب.
ومن بين المفاهيم التي يستعملها المختصون ما يعرف بـ”الحمل المعرفي” (Cognitive Load)، وهو حجم الجهد الذهني الذي يبذله الدماغ أثناء معالجة المعلومات. وعندما ينشغل الطالب بعوامل جانبية داخل القاعة، مثل الحركة المستمرة للمراقبين أو الخوف من ارتكاب تصرف قد يُساء فهمه، فإن جزءاً من موارده الذهنية قد يتجه إلى هذه المؤثرات بدلاً من التركيز الكامل على الإجابة عن الأسئلة.
كما يتحدث بعض الباحثين عن مفهوم “فرط اليقظة” (Hypervigilance)، وهي حالة يكون فيها الفرد شديد الانتباه لما يجري حوله نتيجة شعوره بأنه تحت المراقبة المستمرة. وفي مثل هذه الحالات، قد يتحول جزء من التركيز من ورقة الامتحان إلى البيئة المحيطة، وهو ما يمكن أن يرفع مستويات التوتر لدى بعض الطلبة.
ومن منظور علم الأعصاب، تشير أبحاث إلى أن ارتفاع التوتر قد يؤدي إلى زيادة إفراز هرمون الكورتيزول، المرتبط باستجابة الجسم للضغط النفسي. وعندما ترتفع مستوياته بشكل مفرط، يمكن أن تتأثر الذاكرة العاملة، وهي المسؤولة عن الاحتفاظ بالمعلومات واسترجاعها أثناء حل الأسئلة.
ماذا تقول الدراسات الدولية؟
لم يعد هذا النقاش محصوراً داخل قاعات الدرس، بل أصبح موضوعاً لعدد من الدراسات الدولية، خاصة بعد انتشار أنظمة المراقبة الإلكترونية للامتحانات عن بعد خلال السنوات الأخيرة.
وأظهرت أبحاث أجريت في جامعات بأمريكا الشمالية وأوروبا أن بعض الطلبة يشعرون بارتفاع مستويات القلق عندما يخضعون لمراقبة مكثفة، خصوصاً إذا كانوا يخشون أن تُفسَّر بعض التصرفات العفوية على أنها سلوكيات مشبوهة. كما خلصت دراسات أخرى إلى أن التوتر الزائد قد يؤثر على الذاكرة العاملة وسرعة استرجاع المعلومات أثناء الاختبارات.
وقد أثارت أنظمة المراقبة الرقمية للامتحانات نقاشات واسعة داخل الأوساط الجامعية، حيث اعتبر بعض الباحثين أن الإفراط في المراقبة قد يخلق شعوراً بعدم الارتياح لدى الطلبة، بينما يرى آخرون أن هذه الأنظمة تظل أداة ضرورية لحماية النزاهة الأكاديمية في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة.
وتناولت مؤتمرات وندوات دولية متخصصة في النزاهة الأكاديمية هذه الإشكالية، مركزة على ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الرقابة وضمان بيئة تعليمية تراعي الصحة النفسية للمتعلمين.
بين النزاهة الأكاديمية والراحة النفسية
لا يختلف اثنان حول أهمية محاربة الغش وحماية مبدأ تكافؤ الفرص داخل المؤسسات التعليمية. غير أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بضرورة المراقبة من عدمها، بل بكيفية تطبيقها بطريقة تضمن نزاهة الامتحانات دون أن تؤثر سلباً على تركيز الطلبة وراحتهم النفسية.
فكلما نجحت المؤسسة التعليمية في توفير مناخ يسوده الاحترام والثقة والوضوح في تطبيق الإجراءات، كلما أصبح تركيز الطلبة موجهاً نحو إبراز معارفهم وكفاءاتهم بدل الانشغال بالتوتر المصاحب للمراقبة.
وفي وقت تتطور فيه وسائل كشف الغش بوتيرة متسارعة، يبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تحافظ على مصداقية الامتحانات دون أن يتحول الامتحان نفسه إلى مصدر إضافي للضغط النفسي؟




