هذا الموقع يحتوي على مقالات مترجمة آلياً بواسطة ذكاء اصطناعي، وقد يتضمن بعض الأخطاء غير المقصودة. يُنصح بالتحقق من المعلومات المهمة.

الدراسة بالمغرب

العمل الذاتي… استثمار أكاديمي يصنع الفارق في المسار الجامعي

القراءة والبحث خارج قاعات الدرس يعززان استقلالية الطالب ويطوران مهاراته العلمية

عبد الحميد بوتكى – الإثنين 3 غشت 2026

لم تعد الجامعة اليوم فضاءً يقتصر على تلقي المعارف داخل المدرجات، بل أصبحت تراهن بشكل متزايد على قدرة الطالب على التعلم الذاتي، باعتباره أحد أهم مقومات النجاح الأكاديمي والمهني. فالعمل خارج الحصة، سواء عبر القراءة أو البحث أو إنجاز المشاريع العلمية، لم يعد نشاطاً مكملاً للدراسة، بل ركيزة أساسية لبناء شخصية الطالب وتنمية مهاراته الفكرية والمنهجية.

ويؤكد السيد عبد الصمد ريمي، أستاذ التربية الإسلامية بالسلك الثانوي التأهيلي، أن تجربته الأكاديمية، الممتدة من الإجازة إلى الدكتوراه، جعلته يدرك مبكراً قيمة العمل الذاتي في تكوين الباحث. ويقول: “كان العمل الذاتي خارج الحصة أساسياً في تطوير مهاراتي منذ سلك الإجازة إلى الدكتوراه، فقد كان هو المجال الحقيقي لاكتساب العمق في الفهم وتجاوز حدود ما يقدم داخل الحصة، حيث يظل الدرس موجهاً، بينما يمنح العمل الذاتي حرية التوسع والاستكشاف”.

ويرى الأستاذ ريمي أن الحصة الدراسية تؤدي دوراً مهماً في تقديم الأسس والمفاهيم، لكنها لا تكفي وحدها لبناء المعرفة العلمية. ويوضح قائلاً: “في كثير من الأحيان كان العمل الفردي يفوق ما تلقيته داخل الحصص الدراسية، لأن الحصة تقدم المفاتيح، أما البناء الحقيقي للمعرفة فيتم خارجها عبر القراءة والبحث والمقارنة”.

وتتجاوز فوائد العمل الذاتي مجرد تحسين التحصيل الدراسي، لتشمل تنمية مجموعة من المهارات التي يحتاجها الطالب في مختلف مراحل تكوينه. وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ ريمي أن “من أهم المهارات التي طورتها بفضل العمل الذاتي مهارة البحث في المصادر، والقدرة على التحليل النقدي للنصوص، والتمييز بين الأقوال، وتنظيم الأفكار، والكتابة العلمية، إضافة إلى تنمية الصبر العلمي والاستقلالية في التعلم.” وهي مهارات أصبحت اليوم من أبرز المؤشرات على جاهزية الطالب للاندماج في البحث العلمي وسوق الشغل.

ويختلف مضمون العمل الذاتي باختلاف المستوى الجامعي. ففي مرحلة الإجازة، ينصب الاهتمام أساساً على الفهم والتلخيص واستيعاب المفاهيم العامة، بينما تتجه مهام الماستر نحو التحليل والمقارنة بين النصوص والمراجع، لتبلغ في الدكتوراه مرحلة إنتاج المعرفة والبحث العلمي الأصيل، حيث يصبح الطالب مطالباً بالمساهمة في تقديم إضافة علمية جديدة.

ويشير الأستاذ عبد الصمد ريمي إلى أن أكثر الأعمال فاعلية هي تلك التي تضع الطالب في مواجهة مباشرة مع المصادر الأصلية، موضحاً أن قراءة النصوص وتحليلها وربطها بسياقها العلمي والتاريخي، أو إنجاز دراسة تعتمد على أكثر من مرجع، تعد من أفضل الممارسات التي تساعد الطالب على اكتساب منهجية البحث العلمي، خاصة عندما تكون مصحوبة بتوجيه أكاديمي مستمر من الأستاذ.

ولم يقتصر أثر العمل الذاتي، بحسب المتحدث، على تطوير معارفه الأكاديمية، بل انعكس أيضاً على قدراته البحثية، خصوصاً في التعامل مع كتب التراث، إذ مكنه من تعلم القراءة الدقيقة للنصوص، وفهم مصطلحات العلماء، واستحضار السياقات التاريخية، ومقارنة الروايات والآراء المختلفة، وصولاً إلى استخلاص النتائج وفق منهجية علمية دقيقة.

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، خاصة في بداياته. ويستحضر السيد ريمي أبرز الصعوبات التي واجهته، والمتمثلة في غياب منهجية واضحة للعمل، وصعوبة التعامل مع اللغة العلمية في كتب التراث، إضافة إلى محدودية التوجيه في اختيار المصادر وتنظيم الأفكار، وهي عراقيل قد تواجه عدداً كبيراً من الطلبة في بداية مسارهم الجامعي.

ومن خلال تجربته، يلاحظ الأستاذ ريمي أن وعي الطلبة بأهمية العمل الذاتي يتطور تدريجياً مع التقدم في الدراسة، موضحاً أن “طلبة الإجازة في الغالب لا يدركون أهمية العمل خارج الحصة بشكل كاف، ويكون تركيزهم على اجتياز الامتحانات فقط، بينما يتبلور هذا الوعي تدريجياً في سلك الماستر، ويصبح أكثر نضجاً في مرحلة الدكتوراه”.

ويرى أن تعزيز ثقافة العمل الذاتي داخل الجامعة يتطلب مراجعة أساليب التكليف بالأعمال الجامعية، مشدداً على ضرورة الانتقال من المهام السطحية إلى مشاريع بحثية أكثر عمقاً. ويقول في هذا الصدد: “يجب تطوير طريقة تكليف الطلبة بالأعمال الجامعية عبر التركيز على المشاريع البحثية الطويلة بدل الأعمال السطحية، مع توفير توجيه منهجي مستمر، وتشجيع العمل على المصادر الأصلية وربط الطالب بقضايا بحثية حقيقية تمكنه من الإبداع والمساهمة العلمية”.

وفي ظل التحولات التي يشهدها التعليم العالي، لم يعد العمل الذاتي مجرد وسيلة للحصول على نقاط إضافية، بل أصبح استثماراً حقيقياً في مستقبل الطالب. فالقدرة على البحث، والتحليل، والتعلم المستقل، تمثل اليوم من بين أهم الكفاءات التي تميز الخريجين القادرين على مواصلة التكوين والإسهام في إنتاج المعرفة، وهو ما يجعل ترسيخ ثقافة العمل الذاتي داخل الجامعة مسؤولية مشتركة بين المؤسسة الجامعية والأساتذة والطلبة على حد سواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى