هذا الموقع يحتوي على مقالات مترجمة آلياً بواسطة ذكاء اصطناعي، وقد يتضمن بعض الأخطاء غير المقصودة. يُنصح بالتحقق من المعلومات المهمة.

أخبار

اللغة الإنجليزية… صعود متسارع يعيد تشكيل المشهد اللغوي بالمغرب

عبد الحميد بوتكى – الجمعة 13 فبراير 2026

يعيش المغرب اليوم تحولاً لغوياً عميقاً لأسباب متعددة، من بينها العولمة والتطورات التقنية، فضلا عن الفرص التي تتيحها بعض اللغات، خاصة فيما يتعلق بالولوج إلى سوق الشغل، وهو الهاجس الأساسي لدى كثير من الأفراد محليا ودوليا.

وتبرز في هذا السياق أهمية اللغات الأجنبية، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية، باعتبارها أداة أساسية للتواصل العالمي، ومفتاحاً للانفتاح على المعارف الحديثة وتعزيز فرص الاندماج في سوق الشغل.

لم تعد اللغة الإنجليزية في المغرب مجرد لغة أجنبية تُدرَّس في الفصول الدراسية أو تُستعمل في سياقات محدودة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فاعل أساسي في المشهد العام. فمن موقعها السابق كلغة ثانوية وهامشية، انتقلت تدريجياً إلى موقع مركزي، خاصة في مجالي الاقتصاد والتعليم، حيث ارتبط حضورها بفرص الشغل والانفتاح على المعرفة العالمية. هذا التحول لم يغيّر فقط حجم الإقبال عليها، بل أعاد تشكيل التمثلات الجماعية حول قيمتها ورمزيتها، لتصبح لغةً ذات رأس مال معنوي واضح، ينعكس بدوره على توازنات الخريطة اللغوية الوطنية، وعلى موقع كل من العربية والفرنسية داخلها.

أصبح ارتفاع قيمة اللغة الإنجليزية ملحوظاً للجميع، بسبب الإقبال المتزايد على تعلم هذه اللغة، ويمكن تفسير هذا بأهميتها في البحث العلمي، وبارتباطها بعالم الاقتصاد، وارتباطها المباشر بفرص الشغل.

وانطلاقاً من خبرته الأكاديمية في تدريس اللغة الإنجليزية، يقول السيد مولاي الصديق المالكي، الأستاذ الجامعي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء: «في نظري، إدماج اللغة الإنجليزية في التعليم بالمغرب يبدو في جزء منه استجابة لضغط الواقع أكثر منه ثمرة رؤية بيداغوجية متكاملة. فالتخطيط اللغوي غالبا ما يتأثر باعتبارات سياسية واقتصادية، ولا يمكن اليوم فصل الاقتصاد عن السياسة».

وعن مستوى اللغة الأجنبية الثانية في المغرب فقد فسره الدكتور المالكي أنه «لا يزال غير كاف لكي تضطلع الإنجليزية بدور محوري في المستقبل القريب بالمغرب، خاصة أن تدريسها ما يزال يواجه تحديات بيداغوجية ومؤسساتية متعددة».

ويرى أغلب الأساتذة أن الطلبة في الوقت الحالي يركزون على الإنجليزية كلغة تواصل، ويقول السيد المالكي في هذا الأمر: «بناء على تجربتي كمدرس لهذه اللغة لأكثر من سبعة وثلاثين عاما، ألاحظ أن الطلبة اليوم أكثر براغماتية في علاقتهم بالإنجليزية، وهو ما يفسر تركيزهم عليها كلغة تواصل وأداة مهنية أكثر من كونها لغة آداب أو تخصّص لساني محض».

للغة الإنجليزية في التعليم المغربي مستقبل واعد، حيث هناك من يرشحها لأن تصبح لغة تدريس، وأكد السيد المالكي هذا الأمر وقال إن هذا يتجلى «بوضوح في التخصصات التي تعرف إقبالا متزايدا، خاصة على المستوى الدولي».

وبخصوص مواكبة المناهج والبرامج الجامعية المغربية للتحولات العالمية المرتبطة باللغة الإنجليزية، قال السيد المالكي أنه «لا يمكن إنكار الجهود المبذولة لمواكبة المناهج والبرامج الجامعية للتحولات العالمية المرتبطة بالإنجليزية. فالجامعة المغربية تزخر بكفاءات تسهم دون كلل في تطوير تدريس هذه اللغة، غير أن الدعم المؤسساتي والمادي لا يواكب دائما حجم هذه الجهود».

لا يمكن القول إن الإنجليزية شرط أساسي ومطلق للولوج إلى سوق الشغل، إذ تختلف متطلبات اللغة بحسب طبيعة كل قطاع. فهي تمثل دعماً قوياً وفرصة إضافية في مجالات عديدة، لكنها ليست العائق الحاسم أمام من لا يتقنها، خصوصاً في السياق المغربي.

ومن بين أبرز القطاعات التي يبرز فيها دور الإنجليزية: مجال التكنولوجيا، والبحث العلمي، والمختبرات، ومراكز التفكير، إضافة إلى مجالات التواصل والتعاون الدولي، حيث تُعتمد بشكل واسع كلغة للمعرفة والتبادل المهني.

في المقابل، لا تزال اللغة الفرنسية تحتفظ بمكانة مهمة في المغرب، خاصة في قطاعات الاقتصاد والإدارة وعدد من المهن المرتبطة بهما. لذلك، فإن ضعف إتقان الإنجليزية لا يُعد بالضرورة عائقاً مهنياً حاسماً، وإن كان تعلمها يمنح صاحبه قيمة مضافة وفرصاً أوسع للتطور المهني.

ويقول السيد مولاي الصديق المالكي إن «هناك تراجع ملحوظ في الحضور الرمزي للفرنسية، خاصة في صفوف الشباب، مقابل تقدم وظيفي تدريجي للإنجليزية، ولو بشكل محدود».

وأضاف أنه لا يرى أن «هناك صراعا مباشرا بين الإنجليزية والفرنسية في المغرب، بل نحن أمام إعادة توزيع للأدوار. غير أن التخطيط اللغوي، وهو في جوهره سياسي، يظل عاملا حاسما في توجيه هذا المسار. وعلى المدى البعيد، قد تتعزز مكانة الإنجليزية أكثر، خاصة مع تراجع الحضور الفرنسي في إفريقيا، وتوجه المغرب نحو انفتاح أوسع على العالم الأنجلوساكسوني لما يوفره من فرص اقتصادية ودبلوماسية. ولا أعتقد أن الفرنسية ستتراجع بسرعة أو أنها ستختفي من المشهد اللغوي المغربي، لكن من المرجح أن تتغير أدوارها ومكانتها تدريجيا على المدى البعيد».

التحول الذي عرفته اللغة الإنجليزية تغذيه عوامل متعددة، منها العولمة، ومتطلبات السوق، والسياسات التعليمية، إضافة إلى الاختيارات الفردية، خاصة لدى فئة الشباب.

ويؤكد الدكتور المالكي أن «التعدد اللغوي في المغرب سيستمر، لكن ضمن توازنات جديدة. فهناك مطالب متزايدة بمنح الإنجليزية موقعا أوسع، إلى جانب تعزيز مكانة اللغتين الوطنيتين، العربية والأمازيغية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للهوية المغربية المتعددة».

أسهم التطور التكنولوجي والتحولات الاقتصادية في تعزيز حضور اللغة الإنجليزية في مجالات عديدة، حتى أصبحت تُكتسب أحياناً بمبادرة فردية دون حاجة إلى سياسات رسمية واضحة. فالأفراد يقبلون على تعلمها سعياً إلى التواصل والاندماج في عالم مترابط تحكمه المعرفة الرقمية والتبادل الدولي.

وفي السياق نفسه، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في انتشارها وتيسير الوصول إليها، بعدما لم تعد حكراً على فئات محدودة. فقد ساهمت هذه الوسائط في توسيع دائرة استعمال الإنجليزية وجعلها أقرب إلى الحياة اليومية، سواء في الترفيه أو التعلم أو العمل.

غير أن هذا الانتشار يطرح في المقابل سؤالاً يتعلق بالهوية الثقافية، إذ يمكن للغات الأجنبية أن تثري هوية الفرد وتفتح أمامه آفاقاً جديدة، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تراجع بعض عناصرها إذا لم يرافق الانفتاح قدر من الوعي والتوازن.

كما أن تعلم الإنجليزية لم يعد مرتبطاً حصراً بالمؤسسات التعليمية التقليدية، بل أصبح أسرع وأكثر انفتاحاً، بفضل المنصات الرقمية والوسائط التعليمية الحديثة التي تتيح اكتسابها خارج المدرسة والجامعة وبوتيرة مرنة تناسب مختلف الفئات.

يمكن الاستفادة من تحول الإنجليزية إلى فاعل أساسي في المشهد العام، إذا تم تدبيره بوعي وطني، بما يسمح باغتنام الفرص التي يتيحها دون المساس بالهوية الثقافية. ويمكن التوفيق بين الانفتاح على الإنجليزية والحفاظ على اللغات الوطنية، من خلال سياسات لغوية رشيدة، قائمة على التكامل لا الإقصاء، وعلى التوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية.

وفي كل حالات التفاعل بين اللغات، يبدو القلق أمراً طبيعياً ومفهوماً، غير أنه لا يُعد نتيجة حتمية. فالتدبير المتوازن والواعي لهذا التفاعل يمكن أن يجعله عاملاً للإغناء والتطور، بدل أن يتحول إلى مصدر تهديد أو فقدان.

وحول دور الجامعة والمثقفين في تدبير هذا التحول اللغوي يقول الأستاذ المالكي «أن الجامعة والمثقفون يمثلون قاطرة للتنمية ورافعة للتغيير. ورغم تراجع تأثيرهم النسبي في بعض السياقات، فإن دورهم في النقد والتوعية وصياغة الرؤى يظل أساسيا».

من المتوقع أن يتعزز حضور اللغة الإنجليزية في المغرب مع مرور الوقت، غير أن الحديث عن تحولها إلى لغة مهيمنة بشكل كامل يظل أمراً غير واقعي في الظرف الراهن. وفي المقابل، يبدو أن المغرب مقبل على مرحلة جديدة في مسار تعدديته اللغوية، مرحلة لم تتضح جميع ملامحها بعد، لكنها تعكس حركية متجددة وتحولات مستمرة في المشهد اللغوي الوطني.

وقدم السيد مولاي الصديق المالكي نصيحة للشباب والطلبة بقوله: «أنصح الطلبة والشباب بأن يكون تعلم الإنجليزية نقديا ووظيفيا، وأن يتجاوز الطابع الاستهلاكي إلى توظيف معرفي ومهني واعٍ».

وختم الدكتور حديثه بتأكيده أن «مستقبل الإنجليزية في المغرب مرشح للتوسع من حيث الوظائف والاستعمالات، لكن داخل إطار تعددية لغوية متجددة لا تلغي باقي المكونات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى