خارج التخصص: هل نحن ما ندرسه؟

في رحاب الجامعات المغربية، لا يخلو حديث بين الطلبة من اعتراف خافت أو ساخط: “أنا لا أنتمي لهذا التخصص”، أو “جئت إلى هنا لأن معدلي لم يسمح لي باختيار ما أحب”. هذه العبارات لم تعد نادرة، بل أصبحت تمثل ظاهرة صامتة، يعيشها آلاف الطلبة الذين وجدوا أنفسهم مسجونين في شعب لا تشبههم، يدرسون ما لا يحبون، ويجرون أقدامهم إلى مدرجات لا تثير فيهم فضولا ولا شغفا.
تشير تقارير رسمية صادرة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار المغربية إلى أن نسبة معتبرة من الطلبة يغيرون تخصصاتهم بعد السنة الأولى، أو يعيدون التوجيه، أو يغادرون الجامعة دون إتمام المسار.
فقد كشف وزير التعليم العالي السابق السيد عبد اللطيف الميراوي أن 49.4 في المائة من الطلبة يغادرون الجامعات دون الحصول على أي شهادة.
كما تؤكد تقارير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين وجود اختلال كبير بين ميولات الطلبة والتوجيه الأكاديمي الذي يتلقونه، ما يؤثر على دافعيتهم ومردودهم الدراسي وأحيانا على صحتهم النفسية.
ويعزى هذا الانفصام بين الطالب وتخصصه إلى جملة من الأسباب، منها اعتماد نظام التوجيه الثانوي على النقط لا على الميولات أو الكفاءات الذاتية، والضغط العائلي والمجتمعي الذي يدفع الطلبة نحو كليات تعد رموزا للنجاح الاجتماعي ككليات الطب والهندسة والقانون، حتى إن لم تكن رغبتهم الحقيقية هناك، إضافة إلى قلة آليات المرافقة النفسية والبيداغوجية التي تساعد الطالب على معرفة ذاته واختيار تخصص يناسبه، فضلا عن ضعف التكوين ما قبل الجامعي في مهارات اتخاذ القرار والتخطيط الذاتي.
هذا الوضع يخلق معاناة صامتة داخل أسوار الجامعة، حيث لا يعاني الطالب فقط من الملل أو ضعف الاندماج، بل يعيش نوعا من الانفصام الهوياتي. ومع مرور السنوات تزداد الهوة بينه وبين ذاته، ويشعر أنه يضيع وقته في مسار لا يمثله. بعضهم يكابر ويواصل، وبعضهم ينسحب بصمت دون أن يجد بديلا واضحا.
هذه الأزمة لا تقف عند أسوار الجامعة، بل تمتد إلى سوق الشغل، حيث يتخرج آلاف الشباب بشهادات لا يعرفون كيف يستثمرونها، ويفتقرون إلى المهارات العملية التي تتطلبها وظائف قد تكون أقرب إلى ميولاتهم الفعلية، لكنهم لم يهيؤوا لها.
ورغم بعض المبادرات التي أطلقتها الدولة، كمحاولات إدخال وحدات اختيارية أو تطوير منصات رقمية للتوجيه، لا يزال التوجيه الجامعي يشكو من نقص كبير في المواكبة الفردية، ومن غياب مقاربة شمولية تدمج بين التعليم والتكوين المهني، وبين الدراسة الأكاديمية وبناء الشخصية.
لكن في ظل هذا التحول العميق في سوق الشغل، تبرز فرصة جديدة لفهم الذات خارج قوالب التخصص الأكاديمي. فالمهارات التي يعول عليها اليوم لا تستمد من المقررات وحدها، بل من التجربة، من الخطأ، من الإصرار حيث أصبح التركيز أكثر فأكثر على المهارات الناعمة (Soft Skills)، مثل القدرة على التواصل، التفكير النقدي، والعمل الجماعي، والتكيف مع التغيرات. هذه المهارات، نادرا ما تدرس في التخصصات الجامعية، لكنها تحدد مسار النجاح في الحياة الواقعية.
ولعل الجامعة لا تصنعنا، لكنها تساعدنا أن نعيد تشكيل أنفسنا. والأجدر أن تكون مرحلة لاكتشاف القدرات، لا لحبسها في خانة. لأن الإنسان لا يختصر في تخصص، بل هو حكاية تتجاوز المقررات، وموهبة قد تنمو بعيدا عن السبورة.




