هذا الموقع يحتوي على مقالات مترجمة آلياً بواسطة ذكاء اصطناعي، وقد يتضمن بعض الأخطاء غير المقصودة. يُنصح بالتحقق من المعلومات المهمة.

أخبار

الأرشيف المغربي… حين تتحول الذاكرة إلى رهان للمستقبل

جامع بيضا ينتقد نقل الأرشيف المغربي خلسة إلى فرنسا ويصفه بـ"الجرم الكبير"

عبد الحميد بوتكى – الثلاثاء 14 أبريل 2026

نظم مختبر الدراسات المجالية والثقافية والتاريخية، وفريق الذاكرة والأرشيف والمخطوط بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء، أمس الإثنين، لقاءً علمياً تحت عنوان “الأرشيف المغربي، تراث وحداثة”. واستضاف هذا اللقاء جامع بيضا، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير السابق لأرشيف المغرب، بحضور عميد الكلية عبد الإله بركسى، ومشاركة عدد من الأساتذة الباحثين من بينهم نوال متزكي، ومحمد ياسر الهلالي، ومولاي الزهيد العلوي،  وإبراهيم الأنصاري.

في كلمته الافتتاحية، شدد عميد الكلية عبد الإله بركسى على أن الأرشيف يشكل “ركيزة أساسية لإنتاج معرفة علمية رصينة”، مبرزاً حرص المؤسسة على تثمين الذاكرة الوطنية ومصادر البحث التاريخي. وهو التوجه الذي انسجم مع مداخلات الأساتذة المشاركين، حيث أكد إبراهيم الأنصاري أن “أمة بدون أرشيف هي أمة بدون تاريخ”، معتبراً أن غياب الوثيقة يعني غياب الحقيقة نفسها.

من جانبه، أبرز مولاي الزهيد العلاوي الأهمية المنهجية للأرشيف في الكتابة التاريخية، خاصة فيما يتعلق بتاريخ الزمن الراهن، مشيراً إلى أن البحث العلمي لا يمكن أن يستقيم دون العودة إلى الوثائق، ومذكراً بالدور الذي يضطلع به فريق الذاكرة والأرشيف والمخطوط داخل الكلية في هذا المجال.

غير أن مداخلة جامع بيضا شكلت المحور الأساسي للندوة، مقدماً قراءة شاملة لمسار الأرشيف في المغرب، بين الرهانات التاريخية والتحديات المعاصرة. واستهل بيضا حديثه بالتمييز بين “الحداثة” و”التحديث”، معتبراً أن امتلاك الوسائل الحديثة لا يعني بالضرورة تبني قيم الحداثة المرتبطة بالتدبير الرشيد والمؤسساتي.

وتوقف عند أصل كلمة “أرشيف”، موضحاً أنها ليست فرنسية كما يُعتقد، بل تعود إلى اللغة اليونانية القديمة، حيث كانت تعني مقر الحكم ومركز اتخاذ القرار، قبل أن تتطور دلالتها لتشير إلى الوثائق المحفوظة داخل تلك المؤسسات. ويعكس هذا البعد التاريخي، بحسب بيضا، الارتباط العميق بين الأرشيف وممارسة السلطة وتنظيم الدولة.

وفي استحضار للتجارب التاريخية، أشار إلى أن مفهوم الأرشيف الوطني لم يتبلور إلا مع قيام الدولة الحديثة، خاصة بعد الثورة الفرنسية، حيث أصبح الأرشيف أداة للمحاسبة وضمان الاستمرارية المؤسساتية. واستدل بمقولة نابليون بونابرت: “الأرشيفي الكفء أنفع للحكومة من قائد عسكري بارع”، في إشارة إلى الدور الاستراتيجي للأرشيف في تدبير الشأن العام.

وعلى المستوى المغربي، سجل بيضا تأخراً لافتاً في إيلاء الأرشيف المكانة التي يستحقها، سواء خلال فترة الحماية أو حتى بعد الاستقلال، حيث لم يكن هذا القطاع ضمن أولويات السياسات العمومية.

وأشار إلى أن جزءاً مهماً من الأرشيف الوطني يوجد اليوم خارج البلاد، خاصة بفرنسا، في سياق تاريخي مرتبط بفترة الحماية.

موضحاً في هذا السياق أن “أغلب الأرشيفات الأخرى تم ترحيلها خلسة من طرف فرنسا إلى الديار الفرنسية، حينما كان المغرب المستقل منشغلاً بأمور أخرى يعتبرها ذات أولوية”.

ولم يتردد جامع بيضا في توجيه انتقادات صريحة لفرنسا، معتبراً أنها “ارتكبت جرماً كبيراً” بنقل جزء من الأرشيف المغربي إلى الخارج، في خرق لمبدأ أساسي في علم الأرشيف الذي يربط الوثيقة ببيئتها الأصلية. وكشف عن توتر في هذا الملف، خاصة عندما طالب باسترجاع بعض الأرشيفات ذات القيمة الرمزية، مثل أرشيف محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائلاً مخاطباً الجانب الفرنسي: “لقد سرقتموها”، رافضاً الاكتفاء بنسخ رقمية، ومشدداً على أن الأمر يتعلق بمسألة مبدئية ترتبط بالذاكرة والسيادة.

وفي حديثه عن تجربته على رأس مؤسسة أرشيف المغرب منذ سنة 2011، أبرز بيضا التحديات التي رافقت تأسيس هذه المؤسسة، سواء من حيث ضعف الإمكانيات أو غياب ثقافة أرشيفية داخل الإدارات. ومع ذلك، أكد أن المؤسسة نجحت في إرساء أسس عمل احترافي، من خلال وضع دليل مرجعي لتدبير الأرشيف العمومي، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز التعاون الدولي في مجال التكوين.

كما تطرق إلى إشكالية الأرشيفات الخاصة، مشيراً إلى أن بعض الوثائق ذات الطابع العمومي لا تزال في حوزة الخواص، وهو ما يستدعي، حسب قوله، تطبيقاً صارماً للقانون من أجل استرجاعها وحمايتها. وفي هذا السياق، شدد على مبدأ عدم تقادم استرجاع الوثائق، معتبراً أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية مسؤولية جماعية.

ولم يغفل بيضا الجانب التقني، حيث عرض الشروط العلمية لحفظ الأرشيف، من حيث درجة الحرارة ونسبة الرطوبة وطرق التخزين، مبرزاً أن هذه التفاصيل الدقيقة هي التي تضمن سلامة الوثيقة واستمراريتها.

واختتم مداخلته بالتأكيد على أن الأرشيف ليس مجرد ماضٍ محفوظ، بل هو رهان للمستقبل، مستحضراً قول المفكر جاك دريدا: “إن مسألة الأرشيف ليست مسألة الماضي، بل هي مسألة المستقبل، مسألة وعد ومسؤولية تجاه الغد”.

هكذا، أكدت الندوة أن الأرشيف لم يعد مجرد مجال تقني أو تخصص أكاديمي محدود، بل أضحى في صلب النقاش حول بناء الدولة الحديثة، وترسيخ الذاكرة، وصياغة المستقبل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى