هذا الموقع يحتوي على مقالات مترجمة آلياً بواسطة ذكاء اصطناعي، وقد يتضمن بعض الأخطاء غير المقصودة. يُنصح بالتحقق من المعلومات المهمة.

أخبار

شعبة التاريخ في الجامعة المغربية: قيمة معرفية كبيرة ونظرة مجتمعية قاصرة

عبد الحميد بوتكى – الجمعة 16 يناير 2026

يعتبر التاريخ من بين العلوم التي لها قيمة كبيرة، فهو أداة تحليلية وتأصيلية تساهم في فهم تطور المعرفة العلمية، لا كمجرد سجل للأحداث، بل كمختبر للإبستمولوجيا. حجم هذه القيمة لا نلمسه في مجتمعنا بين طلبة الثانوي التأهيلي المقبلين على التعليم العالي، فنظرة المجتمع لشعب الآداب والعلوم الإنسانية عموماً دونية، والسبب أنها ليست بالشعب التي تفتح زاوية واسعة تجاه سوق الشغل.

وللاستفسار أكثر حول الموضوع، التقينا السيد يوسف المساتي، الباحث في سلك الدكتوراه في التاريخ والآثار والتراث بجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء، الذي أكد أن هاجس التشغيل يؤثر على اختيارات الطلبة «بشكل مباشر، حيث نلاحظ أن العديد من الطلبة المتفوقين قد يختارون شُعبا تقنية رغم حبهم للتاريخ خوفا من المستقبل الغامض، ولهذا فالجامعة اليوم مطالبة بطمأنة هؤلاء عبر مسالك “مهنية” واضحة داخل شعبة التاريخ، تجعل من المؤرخ فاعلا اقتصاديا في قطاعات الثقافة والسياحة والإعلام.»

وحول نظرة المجتمع لشعب الآداب والعلوم الإنسانية يقول المتحدث أنه مع الأسف «لا تزال هناك رواسب لهذه النظرة النمطية التي تعتبر الآداب والعلوم الإنسانية عموما “ملجأ لمن لا ملجأ له”، والسبب يعود إلى ثقافة مجتمعية تربط النجاح بالطب والهندسة فقط، وإلى تأخر في إبراز القيمة الاقتصادية للعلوم الإنسانية، لكن هذه النظرة بدأت تتآكل تدريجيا مع صعود “اقتصاد المعرفة”، حيث أصبح العالم يدرك أن التكنولوجيا بلا فهم للتاريخ والهوية تظل جوفاء».

وتعتبر شعبة التاريخ، شأنها شأن شعب الآداب والعلوم الإنسانية، مهجورة من قبل الطلبة، رغم ما يمكن أن تقدمه لهم من مهارات. ولمعرفة أسباب عزوف الطلبة على هذه الشعبة، سألنا الباحث وفسر الأمر بقوله: «الإقبال يغديه البحث عن الهوية والرغبة في فهم التحولات السياسية والاجتماعية، أما العزوف فسببه الرئيسي هو “الخوف من البطالة”، لأن الطالب المغربي اليوم أصبح برغماتيا، يبحث عن الشعبة التي تضمن له “الأجرة” فور التخرج، والتاريخ في تمثله الشعبي لا يزال مرتبطا فقط بمباراة التعليم التي تضيق فرصها سنة بعد أخرى.».

تعلم شعبة التاريخ الطالب المقارنة بين الأفكار، وترجيح الوقائع اعتماداً على الأدلة، وتجعله يتعمق في المنهجية الحقيقية للبحث العلمي الأكاديمي التي تشمل صياغة الإشكالية، والفرضيات، والتوثيق، والتحليل.

يكتسب طلبة شعب العلوم الإنسانية مهارات فكرية، وعقلية، ولغوية، وتواصلية، وبحثية، ومعرفية، وشخصية، ومهنية. وإن أردنا التعمق أكثر في هذه المهارات من زاوية التاريخ، سنجد أن الشعبة تمنح الطالب أولاً مهارة التحليل التاريخي، التي تمكنه من فهم الأحداث في سياقها الزمني والسياسي، وربط الماضي بالحاضر دون إسقاطات سطحية.

ولما سألنا السيد يوسف المساتي، قال إن شعبة التاريخ «تقدم بناء فكريا متكاملا، لا تعلمهم “ماذا حدث” بل “لماذا حدث وكيف نؤرخه”، والتكوين التاريخي في عمقه يرتكز على نقد النصوص خارجيا وداخليا، والمقارنة بين المصادر، وفهم البنيات العميقة للمجتمع المغربي عبر العصور؛ إضافة إلى التركيز على الجانب التراثي، أي كيف يتحول التاريخ من نص مكتوب الى مادة ملموسة (آثار، عمران، فنون)».

تلقن الشعبة الطالب أيضاً مهارة التفكير النقدي، التي تمكن الطالب من التمييز بين الزاوية التاريخية والقراءة الأيديولوجية، وتمكنه من تقييم المصادر وعدم التسليم بالمعلومة الجاهزة. وتمكن الطالب أيضاً من ضبط أبجديات البحث والتوثيق، من خلال التعامل مع الوثائق والأرشيف، وتوثيق المعلومات وفق منهج علمي دقيق، ومقارنة الروايات التاريخية المتباينة أو المتعارضة.

يستطيع طالب التاريخ بعد التخرج قراءة وفهم النصوص المعقدة القديمة والحديثة. ويمكنه تكوينه هذا من صياغة مقالات وبحوث بلغة دقيقة ومتزنة، وسرد الوقائع دون تهويل أو تبسيط مخل. وكذلك الربط بين الأسباب والنتائج، بتفسير التحولات التاريخية، وفهم ديناميات التغيير والاستمرارية.

تصبح لدى الطالب في تكوينه هذا الدقة والصرامة العلمية، فيحترم التسلسل الزمني، ويتجنب التعميم والأحكام المسبقة. وأخيراً يتمكن طالب شعبة التاريخ من إدراك تشكل الهويات الثقافية، وفهم جذور القضايا الراهنة، وبهذا يفهم عموماً هويته ومجتمعه.

وحول المهارات التي يكتسبها الطالب بعد التخرج، أوضح السيد يوسف المساتي أن الطالب «يكتسب “الذكاء السياقي”، وهو القدرة على وضع أي ظاهرة في إطارها الزماني والمكاني، بالإضافة إلى مهارات التحليل النقدي، التحرير الرصين، القدرة على التلخيص والتركيب، والتعامل مع الوثائق والمخطوطات، وهي مهارات مطلوبة جدًّا في مجالات الادارة، التواصل، وصناعة القرار، طبعا عدا ما يتعلق بالمعرفة التاريخية والتراثية.».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى